توطئة .. "مخرج بولوني يخاطب العالم"

عدد القراءات : 443
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
توطئة .. "مخرج بولوني يخاطب العالم"

 

مقال : د . عقيل مهدي

 

في مناسبة "يوم المسرح العالمي" يخاطبنا المخرج البولندي (كرستوف ورليكوفسكي) بعد ان سبقه كثيرون من كتاب المسرح، أمثال (آرثر ميلر)، و"ممثليه" أمثل (لورنس أوليفيه)، وكبار المخرجين مثل "بيتر بروك"، وكذلك رهط من النقاد، او المبدعين الاخرين .

 

البولوني بات الاخير، وكان الفرنسي جان كوكتو هو الاول الذي خاطب العالم.

يؤكد (كرستوف) في رسالته على الاتي:

- اساتذة المسرح يقتضي البحث عنهم بعيدا عن خشبته، للابتعاد عن اعادة انتاج (القوالب) الجامدة المبتذلة، بل البحث عن (المنابع) المتدفقة، و(التيارات التحتية) لابداع (عوالم) لا استنساخ صور، والتركيز على انفعالات المتفرجين، التي (تموج تحت السطح) ثم يقول: لا شيء يضاهي المسرح، في قدرته على الكشف عن العواطف الخفية.

- كتاب أمثال (كافكا) و(توماس مان) و(مارسيل بروست) و(كوتزي)، .. ادركوا بفطرتهم السليمة لنهاية العالم، اي (نهاية النموذج السائد بين علاقات البشر ونهاية النظام الاجتماعي، والانتفاضات الثورية ضده) ويضيف "نحيا وجها لوجه مع الجرائم والصراعات.. ثم تغدو الحرائق مملة وتختفي من الاخبار تماما"، ثم يخلص الى "اننا نشعر بالعجز، والرعب، والحصار فلم نعد قادرين على تشييد الابراج."

وربما يلمح الينا، نحن العراقيين، فيما يخص (برج بابل)!

(2) قراءة الرسالة المسرحية:

هذا من جانب (كرستوف)! ماذا عن جانبنا نحن؟!

فما زالت تنتاب بعضنا، فنانين وجمهورا، عوارض مختلفة منها الديني الاصولي، والماركسي المدرسي، والعروبي المتطرف.. واغلب هؤلاء يهربون من (الفن) كما يهربون من لعنة (الخطيئة) او الانحراف، او تضييع إرث الاجداد!

كل هذه الاصناف تذهب بعيدا عن مواجهة الحقيقة التي تجبرها على تغيير آرائها، عن هذا او ذاك في "مواقف" تاريخية جذرية وعلى صعيد المسرح، بعد مرور أكثر من (مائة عام) على تعرفنا عليه، وابداعنا فيه، مازال (جمهورنا) يلحق بالمسرح، وحتى الكثير من مسرحيينا، يقترف زحافات سطحية، وإرباكات موروفولوجية في علم الاشكال الفنية المتخيلة، بين الدلالة، وانتاج المعنى او التذويق الجمالي للعرض، لسبب بسيط هو فقدانه (لبرنامج) مسرحي حقيقي، وقدرات بشرية مدربة.. لنعد الى (كرستوف) وما شخصه في رسالته، مقترحين "قراءته" على الشكل الاتي:

1- القوالب النمطية.

2- تيار تحت الماء.

3- الارتجال (والاتيود).

4- البنى المجاورة.

5- ماضي المسرح ومستقبله.

3- القوالب النمطية:

"النمطية"، و"التقاليد الميتة"، و"التكرار" كلها تطفئ جذوة العرض، وتطمس ملامحه القوية، والواضحة، والحادة في تضاريسها ومعالمها الشكلانية المصاغة على وفق تصميم الاركان الموسيقية، ولكن في الحركة والافعال، والايماءات، والاصوات، لا في النوتات الغنائية والآلية.

يقول (ايفروس) ان الاخراج مهنة صعبة، لأنه يتعامل مع إرادة جمعية تضم الممثلين، والتقنيين، ويتعين عليه، ان يوظفهم، للانخراط تحت هيمنة (الأنا) الابداعية للمخرج، والاشتراك سوية في بناء العرض وهذه (الجدّة) المبتغاة تنبع من (ذات) المخرج الحرّة، الممتنعة على اكراهات (النص) وترسيماته القارة . المخرج لوحده قادر على التقاط "جمل حوارية"، ليرسم من خلالها رؤيته لأداء الممثل، وكيفية إنشاء فضاء المشهد ومكوناته السينوغرافية، وابعاده المعنوية، الجمالية والتقنية والفكرية . تبقى "القوالب" المكرورة ، بمثابة كابوس، وغيثان، مما يدفع المخرجين المبدعين الى البحث عن فضاءات مسرحية جديدة، لكنها مهمة صعبة، لا يمكن مقارنتها حتى بالموسيقى، والتشكيل، لان من الممكن ان تغرف وترسم وانت "صغير"، ولكن هذا الامر محال في مهنة "الاخراج" كما يؤكد (ايفروس) ذلك.

4- تيار تحت الماء:

الماء في الابداع، استعارة، طورها (باشلار)، مع الاحلام، والامكنة، والنار، وسواها ليقرنها بـ (الشعرية) . وسبق انه كان الماء أحد العناصر المرتبطة بالنار، والتراب، والهواء، منذ عصور الاغريق القديمة وفيما يخص عمل الممثل، وجد (هيجل) ، انه (يكشف عن اخفى نيات المؤلف، ويعوّم على السطح اللآلئ المختبئة في الاعماق) هنا، تكمن كناية الماء ايضا.

وفي زمن لاحق، وجد (جيخوف) معالجة فنية جديدة في تأليفاته الدرامية (المسرحية)، سمّيت : "بالبحث في تيارات الماء، التحتية " الخاصة (بالحوارات) وعدم الوقوف على سطح الماء، لاستخراج المكنونات الثمينة للنص، من خلال خطة المخرج.

وهذا ما اعتمده ستانسلافسكي فيما سمّي بالبحث بين السطور وكذلك ما اكده (اناتول ايفرس)، بان على المخرج ان يشعر بالنص، بمثل شعوره بكثافة الماء التي تختلف اطوارها بين ثلاثة امتار، منها حين تكون على عمق مائة وثلاثين مترا.

5- الارتجال والاتيود:

الارتجال ضرب من اهتداء المخرج، وفريقه الى المنبع الحقيقي الكائن خلف النص، والذي يمثل (خميرة) النص، او نسقه المضمر، هذا ما كان يفهمه ستانسلافسيكي حين يركن نص المؤلف جانبا، بعد القراءة، ليجعل كل ممثل مرتجلا لحواراته على وفق قدراته الخاصة في التعبير عن نفسه. كان يسمي ذلك (بالحياة الداخلية) للمشهد او النص الداخلي (Sub-Text. )

هنا تبرز بصيرة الممثل، وقدرة الكاتب الابداعية في آن واحد وبالطبع يتفوق الكاتب الحاذق بشعريته الفائقة على حوارات الممثل المرتجلة، لأنه الادرى بالخطة الدرامية ومتطلباتها الادبية والدرامية.

تذهب (فيولا سبولين) الى اهمية الارتجال، في حلّ مشكلة المشهد وتحقيق الهدف، حيث ينمي "الممثل" ثقته بنفسه ويؤكد تحكمه بالمشهد وكذلك الوعي بحضور الجمهور، للتواصل معه من ناحية ، او "نسيانه" للتواصل مع "الدور" ومتطلبات العرض من ناحية اخرى، وفي آن واحد. وتحيلنا (سبولين) الى تجربة (جايكين) الذي يطوّر فكرة (Theme)، رئيسة، من خلال ابتكار شخصيات واحداث وعلاقات، وحتى مؤثرات صوتية، ليقدم عرضا ممتعا، ومتماسكا، كان يريد من الممثل، لا القاء الحوار، بل التكلم به، لا السماح ، بل "الانصات" لان الفعل يقوم على "التكلم"، والانصات، ونضيف نحن عليه ايضا ان "يرى" لا ان ينظر، ليحقق "تخيله" الابداعي.

بالارتجال يقنع الممثل جمهوره، بانه يفعل ذلك، للمرة الاولى، وفي اللحظة التي يراه فيها، وكان حواره، وحركاته تنبثق تلقائيا من غير تحضيرات قبلية مسبقة، مما يوفر لنفسه ولجمهوره تجربة في حوار متطور بينهما من خلال (الارتجال)، وليست (اضافات عشوائية: AD-LIB) القائمة على (الفهلوة) ، والشطارة السطحية، والاستعراض البليد!

وما (الاتيود) الا ذلك التحليل الفعال لمكونات المشهد، والشروع بتاديتها (ماديا) على المسرح، للتعبير عن (الارتجال)، وروحه الابداعية.

6- البنى المحاورة:

في الغالب، تخضع العروض المسرحية النمطية، الى اجتياح "الواقع" الخارجي "للعروض" لتبقى بلا "اسلوب" فني حقيقي يميز اداءها ويتضح ذلك في عمل "الممثل"، حين يصمت "جسده"، المرتبط بذاكرة مورفولوجية، وانثروبولوجية، منذ بداية ظهوره في المسرح الاغريقي. ان بدئية حضور الانسان – الممثل، من شأنه ان يرسم آفاقا مبتكرة من الدلالات والرموز. تغيب العلاقة بين (المسرحي) و(جمهوره) حين تفقد الروابط السياقية لتقاليد المسرح الابداعية، فيعيش المتلقي في "متاهة" من الغموض ، والتلعثم في "قراءة العرض"، او حتى في "انتاجه" من قبل المخرجين، لأنهم – ايضا – لا يمتلكون هذه الخلفية الجمالية، التي على ضوئها، يقومون بتفسير عروضهم، او يؤولون رؤاهم الفنية، من منظور فكري رصين.

لذلك تتهافت كثير من العروض، فتجد ركاما من المواد والاشياء، التي تخفق في التفاعل مع الفكرة الاخراجية المحددّة ، الواضحة، وتتبعثر الوسائل الفنية، عن المواد وحجومها، وتختلّ طرائق ايصال خطاب العرض . فلا تجد فيه بناء سليما، لعلاماته، التي لا تحيلنا بالضرورة الى تبين قيمه الانسانية.

وهنا نفتقد لحضور (الانسان – الممثل). وحينما يظهر شخص على المسرح، فاننا نرى (جسمه النسائي) وقسماته ووجهه، اي نسمع، (فيدرا – راسين) حين تتكلم بصوتها، ونراها في حركاتها، قبل ان نتعرف على (غيرة) فيدرا، وعواطفها اللجوجة المحرمة كما يذهب بعض الدارسين.

7- ماضي المسرح ومستقبله:

ابتكارات "المسرح، ليست عابرة (وقتية) بل امتداد للتجارب السابقة، تعيد انتاجها على وفق اشتقاقات وتركيبات وتغييرات جديدة، لان السابق يهيمن على مخيال الناس، ومن بينهم المبدعون انفسهم: (فالجماعة، تمدّ نفوذها ، على تصرفات اعضائها، حتى السرية منها، وتنظم افعالها، وتدفعهم الى تغيير دوافعهم).

المبدع المسرحي يحسن التصرف باتخاذ موقف فني، مستقر، ومستقل بين نفوذ الماضي وقوته، وبين جاذبية "المستقبل" ورؤيته الجديدة. من هنا ندرك تحولات المسرح الجذرية ارتباطا بتحول بنية الجمهور (المورفولوجية) وانتقالها من الريف الى حضارة المدينة ، وما يستلزمه ذلك من تبدل في انماط الانتاج، والعادات والذهنيات والمطامح . فالاشكال، الخاصة بحجم "السكان" المادي والنفسي "العضوي" وكذلك الصورة المادية الشكلية، و"الكثافة" التي يتموقع فيها الناس بين "القبيلة" او "المصنع"، في صراع ديموغرافي بين الشباب الدينامي للشعوب الناهضة وبين الهرم، والسكون لمجتمعات قديمة ساهمة خدرة.

وهكذا تولدت في "المسرح" عناصر ابداعية جديدة، تطرد العناصر الجامدة، في العرض المسرحي الجديد الذي يتخذ (شكلا) ملموسا، في (حيز) محدد، وفي (وقت) ما وبذلك يتم التواصل بين ما يُرى ويلمس، وبين القيم الجمالية، والسياسية، والاخلاقية، والقانونية.

فالمسرح شبكة من الانفتاح التاويلي والتحولات والاستعارات، يُخاطب جمالها، وعي المتفرجين.

 

حفز قراءتنا هذه ،(كرستوف) في رسالته المسرحية العالمية.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha